كلمة معالي السيد عمـرو موسـى الأمين العام لجامعة الدول العربية في الدورة الثانية لمنتدى الإعلام العربي
الاثنين, 11 مايو 2009
السـيدات والسـادة،
يسرني أن أشارك في افتتاح أعمال الدورة الثامنة لمنتدى دبي للإعلام العربي، وهى واحدة من الفعاليات العربية القيمة التي أعتز بحضورها أو بمتابعتها، إذ تجمع راسمي السياسات الإعلامية في عدد كبير من الدول العربية، وبمشاركة لافتة من عشرات من المبرزين من الإعلاميين والصحفيين، أثق في أنهم سوف يجرون حوارات جادة وعميقة حول القضايا التي تشكل حالياً عصب مشاغل الإعلام العربي التي لابد أن تتشابك أو تشتبك مع اهتمامات الإعلام الدولي.

ومن ثم أقدم شكري وتقديري لسموِ الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، لدعوته الكريمة، واهنؤه على الإنجاز الكبير الذي حققه هذا المنبر منذ إطلاقه عام 2000 ليصبح ، كما نراه الآن، رافداً دافق الحيوية في مجتمع الإعلام العربي ودليلاً على حرصه على التواصل والتفاعل والتطور.
وبهذه المناسبة أود أن أشيد بنشاط وحيوية وانطلاقة دبي، على خلاف ما هو متداول في الصحافة والإعلام، فإنني أرى وألمس إيجابية واستمرارية في نشاط هذه المدينة وأهنئ سمو الشيخ على ذلك.
السيـدات والسـادة ...
إن اختيار عنوان الدورة "الإعلام العربي: ثقل المتغيرات وأعباء الأزمات" محوراً لهذه الدورة يعكس إدراكاً يدعمه الواقع لأبعاد المشهد الإعلامي وهو أيضاً المشهد السياسي في المنطقة العربية التي تعيش مرحلة أزمات وتوترات تعمها في معظم أرجائها، وتمتد لتتعدى تخومها، ولتتحمل بأعباء المصالح الدولية المتناقضة والطامعة والتي لا تشبع ولا ترتوي.. ولتصبح سمة للحياة في هذا الجزء من العالم، وكأننا نعيش في قاع محيط.. ظلمات، وعواصف، ومخلوقات تأكل بعضها وتشرع أسلحتها وعلى رأسها ألسنتها، وتخضع معظمها لمن هو أقوى.. تتحرك وفق هواه ليعود ويأكلها هي أيضاً، والمسألة مسألة وقت.
دعوني الآن أعود إلى العنوان:
"ثقل المتغيرات.. وأعباء الأزمات"
ما هي هذه المتغيرات؟ أليست كلها متغيرات عالمية ذات أصداء إقليمية.. وهل يمكن أن ندخل العالم العربي وتطوراته ضمن هذه المتغيرات؟
أنه أمر ضروري، ومسئولية كبيرة تقع على عاتقنا.. على عاتقكم.. ولكنني ومعي كثيرون، أرى أن التغير، بمعنى التطور الإيجابي والشامل، لم يحدث في العالم العربي أو على الأقل لم يحدث بعد في كل العالم العربي، رغم كل جهودنا وجهود كل أبناء الوطن العربي المتنورين والأكفاء والقادرين، لم يحدث التطور المنشود - مع الأسف- إلا كنبضة هنا أو نفرة هناك، إن العالم قد تطور فعلاً، وهو يتطور دون توقف، فهل توقفنا نحن عن التطور.
نعم، هذه هي العلة الكبرى في حالة العرب.. ربما هم في حاجة إلى قيادة تنير الطريق أمامهم، أو إلى معجزة تشق لهم البحر ليعبروه.. أو إلى كارثة تصيب أعداءهم فتعفيهم من مهمة النضال الشاقة.. والأمران الأخيران هما مثل العنقاء والخل الوفي، وأما الحاجة الماسة إلى قيادات مستنيرة فعلينا نحن أن ننتجها، ننتج قادة فكر مستنير وحركة سياسية نشطة تتعامل بيقظة مع متطلبات القرن الحادي والعشرين. ووسيلة ذلك تكمن في كلمة واحدة هي التعليم وإذا زدناها إلى كلمتين فهما التعليم والديمقراطية.. أما إذا أردناها جملة مفيدة، فهي:
"إعادة النظر بالكامل في طريقة وبرامج وأهداف التعليم، وإيلاء أولوية جادة للبحث العلمي، ونشر المعرفة، وإطلاق عملية تنوير واسعة، ودعم الحركة نحو الديمقراطية والحكم الرشيد"، وأقول أن دور الإعلام في ذلك مطلوب وضروري.
بهذا وحده يمكننا أن نتحمل بثقل المتغيرات بل أن نساهم فيها ونفيد من تطورها، ونخدم بها أبناءنا أبناء الوطن العربي.
ويسرني بهذه المناسبة أن أعود فأطري مبادرتكم يا سمو الشيخ في نشر المعرفة، وأقول أن استثماركم فيها هو الاستثمار الذي لا يبور، ولا ينخفض سعره، ولا يفلس مصرفه، ولا يهتز بنيانه.
وأما عن أعباء الأزمات فحدث ولا حرج، فنحن في غمار أزمة إقليمية كبرى، لقد عشنا زمناً نتعامل مع أزمة واحدة، واليوم أينما نولي وجوهنا تواجهنا أزمة، هنا في الخليج وما حوله، وهناك في القرن الأفريقي ومياهه، وفي شمال أفريقيا وصحاريها وفوق كل شئ تأتي فلسطين.
هنا في منطقتنا نعيش أزمات الاحتلال العسكري، وجرائم الحرب والجرائم التي ترتكب ضد الإنسانية، وسباق التسلح الجاري والمحتمل. هنا، في هذه المنطقة، تمتهن الدول وتغزى، هنا تقبل الدول بل وأحياناً تفتخر بأنها مصنفة... هذه معتدلة وتلك ممانعة وثالثة متطرفة لتكون الرابعة فاشلة، ثم يأتي دور الأزمات العالمية وبخاصة تلك الأزمة التي نعايشها الآن.. الأزمة الاقتصادية العالمية وتأثيرها على مسار حركة التنمية والتطوير في العالم العربي.
إن أعباء الأزمات أرهقتنا، ولكن من الضرر الكبير أن نستسلم وكأنه قدر أن ننهزم، بل يجب أن نكون واضحين في أننا لن نخذل ضمائرنا، وأنه من الخطأ التاريخي أن نتنازل عن حقوقنا المشروعة، ولكننا أيضاً سوف نتحمل مسئولياتنا في أن نكون ذوي مصداقية في قبول ما هو معقول ومشروع ومتوازن لحل مشاكل المنطقة، وأننا على استعداد للتعاون الإيجابي في ذلك إذا كان الجميع على نفس الدرجة من الاستعداد.
ولكن ماذا عن الإعلام العربي ودوره في خضم تلك المتغيرات والأزمات.. وهل نجح في.. أو عجز عن التعامل معها والتأثير فيها، وفي إعداد الرأي العام العربي ليشكل في مجمله قوة تقرر، تقبل أو لا تقبل ويكون لها ولرأيها قوة في توجيه السياسات العربية إلى ما يتماهى وما يتطلبه الموقف.. وهنا فإن ما أطالب به ليس الإثارة ولا الاستثارة، وإنما وضع الرأي العام بوضوح فيما يتعلق بما يحدث في إطار عملية تنوير ذات صدقية.. مهنياً وقومياً، ولا حرج في ذلك أبداً طالما كان الهدف هو تهدئة الجو العربي، والحث على التقدم المجتمعي، وتحقيق السلام.
إننا نحتاج اليوم إلى إعلام ينتج محتوى معرفياً متقدماً وذكياً يأخذ في اعتباره متطلبات العصر ويتدفأ في الوقت نفسه بأركان التراث.
ثم إننا في عصر عولمة لن تتراجع، وعليه فإعداد مواطنينا ومجتمعاتنا للمشاركة في باحاتها وفي مساراتها مسئولية كبيرة على عاتقنا وعاتقكم أنتم أهل الإعلام.. ومعكم نحن أهل السياسة.
أن على الإعلام العربي أن يلعب دوره من منطلق أنه أحد قواد حركة التطوير وأن دوره في التنمية البشرية العربية أساسي، وكما يقول العديد من الخبراء العرب أن دور الإعلام أصبح يفوق دور البيت والمدرسة، بل ودور الكتاب.
السيـدات والسـادة ...
رصدت الأجهزةُ المعنيةُ بالإعلام في الجامعة العربية ارتفاعَ عددِ الفضائيات التليفزيونية العربية إلى نحو خمسـمائةٍ وعشـرينَ تنطلق من مائتين وخمسـين من الهيئات التليفزيونية والمؤسسات والشركات الإعلامية، أربع وعشرون منها فقط تملكها وتديرها القطاعات الحكومية العربية. وعلى صعيدِ الإعلامِ المقروءِ، تابعت تلك الأجهزة التوجه العالمي الجديد نحو التحول من الصحافة الورقية إلى الإليكترونية، وهو التحول الذي تغذيه عوامل التطور الطبيعية وفي إطار التقدم العلمي وفي وسائل نشر المعرفة، ولكن تغذيه أيضاً ضغوطاتُ الأزمة المالية العالمية والتي طالت صحفاً على المستوى العالمي فدفعت بعضها إلى التوقفِ كليةً عن الصدور، على الأقل في شكلها الذي عرفناها به، ومع ذلك لاحظت أن العالم العربي لايزال يشهد صدور صحف ورقية جديدة، وهي ظاهرة تتطلب التعرف على ظروفها وسـياقاتها. إلا أن الصحافةُ الإليكترونيةُ ترسخُ أقدامَها في المشـهد الإعلامي العربي بدليل ما تظهرهُ أعداد زيارة مواقعها والتي يسجلُ بعضُها أرقاماً مليونيةً. ثم ها هو المشهد الإعلامي العربي يسـتعدُ لاسـتقبالِ قادمٍ جديدٍ، التليفزيون المتنقل، وسطََ توقعاتٍ مدروسةٍ بأن يصل رقم مستخدمي أجهزته في أقاليم العالم كافةً إلى نفس عدد مستخدمي الهواتف المحمولة، في غضون أربعة أعوام من الآن. وهنا، في دولة الإمارات، مثل حي على انطلاق التليفزيون المتنقل في المنطقة العربية إذ أصبح بمقدور المشتركين في الخدمة مشـاهدة أكثر من خمس عشـر قناة تليفزيونية على شاشات هواتفهم المحمولة وفى تجوالهم على امتداد أكثر من ثمانيةً وتسـعينَ بالمائةِ من أراضى الدولة.
والمقصود هنا ليس المشاهدة في ذاتها، وإنما العلم بالأخبار، ومتابعة التطورات المختلفة التي تزخر بها البرامج الجادة، وهذا يشكل تطوراً في إعادة صياغة الذهنية العربية وتجهيزها لتكون على مستوى الأحداث وبخاصة الشباب.
نعم لقد أصبح الإعلامَ المتطور والذي ينبض بالحياة وبالمصداقية، وبحكم ما آلَ إليهِ جراءَ الاندماجِ الجاري بين وسائطه ووسائل الاتصالات الإليكترونية، أصبحَ يشـكلُ مؤسـسـةً تربوية ذات مسئولية اجتماعية كبرى يمكن أن تعتمد عليها المجتمعات في التنشـئةِ الاجتمـاعيةِ والقيميةِ وفى نشـر العلوم والمعارف. ولسـت أقصدُ تحميلَ الإعلام وحدَهُ، عاماً وخاصاً، مسـؤوليةَ التنمية البشرية، ولكنني أنادي بأن يضطلعَ الإعلامُ بمهمةٍ أسـاسية في دعم الجهد الجماعي العربي الذي انطلق بالفعل وبصفة خاصة من الجامعة العربية في شكل خطة لتطوير التعليم والبحث العلمي في الوطن العربي وكذلك بدفع عملية الإصلاح والتحديث في المجتمعات العربية. وفى سـياقِ ندائي هذا، أتطلع إلى أن يخصصَ هذا المنتدى دورة أو حلقة نقاشية لبلورة مرتكزات مهنية تكفلُ للإعلام العربي الإسـهام النشـيط في إنهاضِ التعليمِ والعلم والبحث العلمي في ربوع الوطن العربي. وسوف أوجِهُ الأجهزةَ المعنية بهذه الأمور في الأمانة العامة، وكذلك المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم، إلى التعاون مع هذا المنتدى وغيره من هيئات المجتمع المدني، في إعدادِ و تنفيذِ مشـروع الدعم الإعلامي لخطةِ تطوير التعليم في المنطقة العربية، وهى الخطةُ التي نعلق عليها أملاً كبيراً في نشـر التنمية الإنسـانية في ربوع وطننا الكبير.
السيـدات والسـادة ...
لقد جئتكم هنا بعد يومين من عقد اجتماع طارئ لمجلس الجامعة لتدارس تطورات قضية فلسطين والصراع العربي الإسرائيلي ومواجهة الأضرار السياسية وغيرها الناجمة عن المخططات الإسرائيلية لتغيير معالم القدس وتزوير تاريخها، ومتابعة الجهود العربية والدولية للتحقيق في جرائم الحرب التي ارتكبتها إسرائيل في عدوانها على قطاع غزة، وأيضاً لتقييم الموقف إزاء النزاع العربي الإسرائيلي وتطوراته.. وتشير هذه البنود إلى نوعية القضايا السياسية التي تتعامل معها الجامعة، كما تشير إلى الطبيعة الخطيرة للمشاكل التي يواجهها الوطن العربي سياسياً وأمنياً. ولكن في نفس الساعات التي كان فيها مجلس الجامعة مجتمعاً على مستوى وزراء الخارجية، كانت القاعة الملاصقة تشهد اجتماعاً آخر لمجلس وزراء النقل العرب يناقشون فيه تنفيذ مشروع الربط البري بالسكك الحديدية فيما بين الدول العربية تسهيلاً لحركة انتقال المواطنين والبضائع والتجارة، وثمة انعقاد ثالث كان أعضاءه خبراء في شئون الأطفال المعوقين ووسائل العمل العربي المشترك لتأهيلهم وتسهيل الحياة عليهم، وعسى أن يكون في هذا النشاط الذي وقع في يوم واحد بل في توقيت واحد رسالة بالغة الدلالة عما يجري إنجازه في العالم العربي رغم ما يطرأ في هذه المرحلة أو تلك من خلافات وتباين في الاجتهادات... ولكن أنظر إلى الإعلام العربي وماذا اهتم به؟ لقد اهتم معظم قنواتنا بموقف العرب من المبادرة العربية، وهو موضوع مطروق ومتكرر، ولم يعطوا أهمية كافية لمشروعات الربط بين الدول العربية، أو لاهتمام العرب بأطفالهم، وغير ذلك كثير... لينقلوا إلى المواطن العربي صورة عمل إيجابي عربي مشترك.
ولا يسعني وأنا أختتم كلمتي إلا أن أقول إننا في عالم العرب نتوقع أن ينتقل العالم وقيادته الجديدة نحو المعاونة الحقيقية لوضع حد لمأساة الشعب الفلسطيني التي تقف وراء التوتر الكبير في المنطقة، وأقول أيضاً أن استمرار الحال من المحال، وأن الأوان آن لإنهاء الاحتلال الإسرائيلي للأراضي العربية، ولإقامة دولة فلسطينية كاملة الأوصاف فتية، لكي نتحرك نحو إقامة نظام أمن إقليمي يرتكز على الالتزام المشترك والمتبادل بأحكام القانون الدولي، وعلى إخلاء المنطقة من كافة الأسلحة النووية، وعلى تحقيق المصلحة الإقليمية في المشاركة في عملية التنمية الإنسانية وتحقيق التقدم.
وهنا فدور الإعلام العربي كبير في المطالبة بذلك، وتعميق الاقتناع لدى المواطنين بهذه الركائز الأساسية.
السيـدات والسـادة ...
لقد طرحت هذه الرؤى انطلاقاً من إيماني بأنه أصبح للإعلام العربي قدرات ضخمة في الإسهام المؤثر في تشكيل الشخصية العربية.. ومن ثم فعلى هذه القدرات أن تتحمل بالمسئولية الكبرى الملقاة على عاتقها في أن تكون إيجابية تستنهض الهمم، وتبعد عن اللمم، وأن تعمل على تمتين النسيج المجتمعي بين العرب جميعاً، وأن تشجع المعرفة النافعة، وصولاً إلى الهدف الأسمى لكل جهد إنساني وهو تحسين نوعية الحياة على الأرض العربية.
أليس هذا هو الهدف الذي يتوخاه منتدى دبي الإعلامي من طرحه لثقل المتغيرات وأعباء الأزمات؟ إنني أعتقد بذلك.
والسلام عليكم ورحمة الله، مع تمنياتي لهذه الدورة بكل التوفيق،
العودة إلى الصفحة السابقة